السيد محمد حسين فضل الله
35
من وحي القرآن
غيره له أو تأثيره عليه ، باعتبار ارتباط ذلك بمواقع القوة في ذاته المقدسة التي لا يملك أحد الاقتراب منها أو التأثير عليها ، لأن الخلق هم الفقراء إليه وهو الغني عنهم ، فوجودهم هو وجود الحاجة إليه ، أما وجوده ، فهو وجود الغني المستقل في كل شيء عن كل الموجودات . وهذا ما يجعل التعبير بنفي الشفاعة عن كل أحد إلا بإذنه ، مناسبا للحديث عن قدرته المطلقة في تدبيره الأمور بعد خلقه لها واستقلاله بها ، بعيدا عن أي تأثير ذاتي لغيره مما يريد إصداره من قرارات في مجال العقاب والثواب . وهذا هو الذي يجعلنا لا نفهم معنى للسببية في الشفاعة والدعاء والمسألة بالمعنى الذاتي لارتباط المسبب بسببه ، بل نفهمها بالمعنى الجعلي الإذني للشفعاء والداعين والسائلين الذين يسألون ويشفعون ويدعون ، فيمنحهم اللَّه ما يريدون من خلال إذنه لهم بالقيام بهذه الأمور ، فلا استقلال لهم في شيء ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [ الأنبياء : 26 - 27 ] . وفي ضوء ذلك ، فإننا لا ننفي اعتبار السببية التكوينية في ارتباط الأشياء بأسبابها ، على أساس ما أودعه اللَّه فيها من خصائص في داخل وجودها ، مما يعني سرّ السببية أو العلّية ، لتكون حركتها بإذنه في الجانب الوجودي المتحرك بقدرته التي تحرّك السبب في اتجاه المسبب ، مما يمكن التعبير عنه بالأول التكويني ، ولكن هذا لا علاقة له بمصطلح الشفاعة كما بيّنّاه . مع تفسير الأمثل في موضوع الشفاعة وقد ذكر بعض المفسرين ملاحظة حول العلاقة بين الشفيع والمشفوع